الإمام علي الرضا عليه السلام

نسبه الشريف ولادته مدح
ملوك عصره نقش خاتمه وشاعره كنيته وألقابه
زهده زوجاته وأولاده النص على إمامته وخلافته
فضائله ومناقبه كرم أخلاقه عبادته
مصائبه وصبره استشهاده

اللهم صلِ على من أشرقت شموس مجده في جميع الأكوان، وأسكت بحججه أهل الأديان، الغامر سناه ربوع خراسان بالضياء، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي إبن موسى الرضا

 

 

 

 

نسبه الشريف 

الاسم : علي بن موسى عليه السلام

الكنى : أبو الحسن الثاني، أبو محمد

الألقاب : الضامن، الرضا

يوم الولادة : صباح أو ضحى الجمعة

شهر الولادة : 11 ذي القعدة

عام الولادة : 148هـ أو 153 هـ

نقش خاتمه : ما شاء الله لا حول ولاقوة إلا بالله

يوم الوفاة : ضحوة ظهر الجمعة

شهر الوفاة : 17 صفر

عام الوفاة : 203 من الهجرة

علة الوفاة : سمه المأمون في رمان

المرقد المقدس : المقام بخراسان

عدد الأولاد : بنون 5، البنات

هو الإمام الثامن من أئمة الشيعة الإثنى عشرية - أعزهم الله تعالى - حجة الحق والخليفة على عامة الخلق ، الناهج في مناهج القضاء علي الثالث من العليين الأربعة أبي الحسن علي ابن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . فنسبه (ع) من نسب والده الإمام العظيم (ع) منتهياً بأبي الحسن علي بن أبي طالب (ع) وبالنبي الأكرم محمد( ص) .

أما أمه فهي أم ولد ، وهذا اللقب كان يطلق على الجارية التي تحمل وتلد من سيدها ومالكها ، وكان يمنع بيعها بعد الولاده وتصبح حرة ، لا تباع بعد وفاة ما لكها .

ولآمه (ع) أسماء وألقاب وكنى عديدة منها : نجمة ، وسمانة ، وتكتم ، وصفر ، وأروى ، وسكن النوبية ، والطاهرة ، وخيرزان المريسية ، وأم البنين .
وكانت جارية جليلة جداً ، اشترتها حميدة المصفاة ، أم الإمام موسى بن جعفر (ع) وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة ، حتى إنها لم تجلس بين يديها منذ ملكتها اجلالاً لها ، وكانت حميدة تقول لأبنها موسى (ع) إن تكتم جارية ما رأيت قط جارية أفضل منها ، ولست أشك أن الله عز وجل سيطهر نسلها إن كان لها نسل ، وقد وهبتها لك فاستوصِ خيراً بها .
فلما نكحها الإمام موسى بن جعفر(ع)وولدت له الرضا(ع) سماها الطاهرة.

 

ولادته

ولد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في المدينة المنورة يوم الجمعة ، وقيل يوم الخميس الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام من سنة ثمان وأربعين ومائة للهجرة النبوية الشريفة .

 

 

مدح الإمام الرضا عليه السلام

يومَ جفّ الشُّعــــورُ نظماً ونثراً        للإمــــــامِ الرّضا تكلَّفتُ عُذرا
قالَ يا ذا الوَفاءِ ســـــِرّاً وجَهْرا        قيل لي أنتَ أوحدُ الناسِ طُرّا
في بديع من الكــــلام النبـــــيهِ

نحن للخلقِ روضـــــةٌ وربيـــع         زاهرٌ بالهُدى وحِصـــن منيعٌ
وبعلمي لنا هــــواكَ مُطيـــــــع          لكَ من جوهر القريض بديعٌ
يثمر الدُّرَُ فـي يـــدي مجتـــنيه
فَرَضَ اللهُ للودادِ طــــقوســـــا          ولنا ردَّ في المغيب شموســا
ولَئن كُنتَ في الهوى مغموسا          فعلامَ تركتَ مدح ابنِ موسى
والخصال التي تجــــــمعنّ فيه
أنتَ مَنْ ذابَ في الهوى بهيامٍ          ومن الحُبِّ نِلتَ خــــير سهامٍ
كيفَ يخشى العَشيقُ نارَ غرامٍ          قُلتُ لا أهتدي لمدحِ إمــــــــامٍ
كان جبريل خادمـــــــاً لأبيه

لخادم أهل البيت السيد مرتضى الحسيني

 

 

كنيته وألقابه 

أما كنيته ، فهي ككنية جدة أمير المؤمنين (ع) ( أبو الحسن ) ، ولهذا يعرف الإمام الرضا عليه السلام بأبي الحسن الثاني .
وأما القابه فكثيرة ، أولها وأشهرها : الرضا ، وإنما لقب بهذا اللقب لأنه كان رضا الله في سمائه ، ورضا الرسول (ص) في أرضه ، ورضا الأئمة من بعده ، بل رضيَ به المخالفون من اعدائه وضده ، كما رضي به الموافقون من أوليائه وجنده ، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه (ع) بالنسبة إلى غير أوليائه لأنه (ع) رضيه المأمون لولاية عهده في ظاهر الأمر ، وليس الأمر ما ذكره بعض المورخين من ان الرضا لقب أطلقه المامون على عليه (ع) ، بل الصحيح أن هذا اللقب منصوص عليه من أجداده (ع) من الرسول (ص) .
ومن كناه أيضاً : الرضي ، والصابر ، والصادق ، والوفي ، والفاضل ، والضامن ، وقرة أعين المؤمنين ، وغيظ الملحدين - أو مكيدة الملحدين - ، وسراج الله ونور الهدى ، وكفو الملك ، وكافي الخلق ، وربُّ السرير ، ورب التدبير ، والصديق والمرتضى ، والراضي بالقدر والقضاء ، وينعت بغريب الغرباء ، ومعين الضعفاء ، ومعين الضعفاء والفقراء ، والمغيث ، ومغيث الشيعة والزوار في يوم الجزاء ، والإمام الرؤوف ، والسلطان علي بن موسى الرضا .

 

 

نقش خاتمه وشاعره

نقش خاتمه

في الفصول المهمة : حسبي الله ، و في الكافي بسنده عن الرضا عليه‏السلام : نقش خاتمي ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، و في العيون : نقش خاتمه وليي الله.

شاعره

دعبل الخزاعي و أبو نواس و إبراهيم بن العباس الصولي .

 

سنوات عمره وحياته بشكل عام :

عاش الإمام الرضا (ع) أربعاً وخمسين سنة وأشهراً على المشهور ، وعلى ما هو ممشهوراً أيضاً فإنه (ع) ولد في السنة االتي استشهد فيها جده الإمام الصادق (ع) وعاش (ع) مع أبيه الإمام موسى بن جعفر (ع) ما يقرب من أربعة وثلاثين سنة ، وكانت مدة إمامته وخلافته بعد أبيه ما يقرب من عشرين سنة .

 

 

ملوك عصره

عاصر (ع) بقية حكم هارون الرشيد عشر سنين وخمسة وعشرين يوماً ، ومن بعده ابنه محمد بن هارون المعروف بالأمين وهو ابن زبيدة ، ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوماً ، خُلع بعدها وأجلس مكانه عمه ابراهيم أربعة عشر يوماً ، ثم خرج محمد بن زبيدة من السجن بعدها ، وبويع ثانيةً ، فملك سنه وستة أشهر وثلاث وعشرين يوماً ، ثم تغلب عليه وقتله أخوه ابن الجارية عبدالله المأمون الذي ملك عشرين سنة وثلاث وعشرين يوماً ، والذي أنتهت حياة الإمام الرضا (ع) وإمامته في عهد المأمون ، بعد مضي خمس سنوات من حكمه .

 

 

النص على إمامته وخلافته 

نص الإمام موسى الكاظم (ع) على إمامة ابنه الإمام الرضا بمرويات منها :
روي عن احمد بن مهران عن محمد بن علي بن محمد بن الفضل قال : حدثني المخزومي قال بعث الينا أبو الحسن موسى (عليه السلام ) فجمعنا ثم قال : أتدرون لم دعوتكم ؟
فقلنا : لا .
قال : اشهدوا ان ابني هذا - وأشار إلى ولده الرضا عليه السلام - وصيي والقيم بامري وخليفتي من بعدي ، من كان له عندي دينٌ فليأخذه من ابني هذا .... إلى آخره كما في الإرشاد .

وروي عن داود الرقي قال : قلت لأبي ابراهيم (ع) جعلت فداك : اني قد كبر سني فخد بيدي وأنقذني من النار . من صاحبنا بعدك قال : فأشار إلى ابنه أبي الحسن (ع) فقال :
هذا صاحبكم من بعدي ............. إلى غير ذلك من النصوص المروية كما في الإرشاد .

 

 

زوجاته وأولاده عليه السلام

تزوج الإمام سلام الله عليه زوجات عديدة ، نعرف منهن ام حبيب بنت المامون ، وسبيكة أم الإمام الجواد الذي سيلي ذكر احواله (ع) إن شاء الله تعالى . والمعروف عندنا - معاشر الإمامية - أنه لم يولد له (ع) سوى الإمام محمد الجواد (ع) ولم يخلف سواه من الأولاد ، وأمه أم ولد وكنيتها أم البنين واسمها تكتم وسبيكة كما مر . وقيل سكن ، وقيل أروى ، وقيل نجمة ، وهو (ع) وأخوه القاسم (ع) واخته المعصومة (ع) في قم من ام واحدة .

وقيل عن بعض العامة انه ولد للإمام الرضا (ع) خمسة ذكور وأنثى واحده هم : محمد الجواد ، والحسن ، وجعفر ، وإبراهيم ، والحسين ، وعائشة ، وهو خلاف المعروف عند اصحابنا .

 

زهده عليه السلام

ومن زهده (ع) أن جلوسه في الصيف على حصير ، وفي الشتاء على مسح ، ولبسه الغليظ من الثياب ، فإذا برز للناس تزين لهم بأزين اللباس ، وكان كل كلامه (ع) وجوابه وتمثاله انتزاعات من القرآن واقتباس من آياته ، وكان (ع) يختمه في كل ثلاثة أيام مرة ويقول : لو أردت أن أختمه في أقل من ثلاث أيام لختمته ، لكنني ما مررت بأيه قط ، الا تفكرت فيها وفي أي شيئ نزلت ، وفي أي وقت ، فلذلك صرت أختمه في كل ثلاث أيام مرة .

 

 

عبادته عليه السلام

ومن عبادته (ع) ما رواه عبدالسلام بن صالح الهروي قال : جئت إلى باب الدار التي حبس فيها أبو الحسن الرضا (ع) بسرخس ، فاستأذنت عليه السجان فقال : لا سبيل لك عليه : فقلت ولِم ؟ فقال :لأنه ربما صلى يومه وليلته ألف ركعة ، وإنما ينفتل من صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند أصفرار الشمس ، فهو في هذه الأوقات يناجي ربه .

 

 

كرم أخلاقه عليه السلام 

ومن ذلك ما حكاه عمه ابراهيم بن العباس قال : ما رأيت ابا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلامه قط ، ولا رأيته قطع على أحد كلامه قط حتى يفرغ منه ، ولا ردا أحداً عن حاجه قط ، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط ، ولا رأيته يشتم أحد من مواليه ومماليكه قط ، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط ، بل كان ضحكه (ع) التبسم ، وكان إذا نصب ما ئدته أجلس معه عليها ماليكه ومواليه حتى البواب والسايس ، وكان قليل النوم باليل كثير السهر يحيي لياليه بالعباده من أولها إلى الصبح .
وكان كثير الصيام ولا يفوته صيام ثلاثة في الشهر ، ويقول (ع) ذلك صوم الدهر ، وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السر واكثر ذلك في اليالي المظلمة ، فمن رأى مثله فلا تصدقوه .
وناهيك بها من خصال شريفه ، وخلال طريفه ، وصفات منيفة فيه (ع) وأباؤه الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام ، لا بد أن يكونوا أحسن الناس خَلقاً وخُلقاً ، واظهرهم فرعاً وعرقاً.

ولا ينافيه ما ورد فيه (ع) أنه أسمر اللون مع ان الأسمر هو الذي بياضه مشوب بالحمرة فيسمى عند العرب أسمر

وأن الإمام (ع) لا يظهر للناس من كل شيئ إلا ما تحتمله عقولهم ولا تنحسر عنه أنصارهم ولا تنفر منه بصائرهم .

وروي ان النبي (ص) كان يسمع أصحابه من صوته في قرآءته القرآن ما تحتمله عقولهم ، ولو أسمعهم صوته لماتوا من سماعه .

ولا شك أن نورهم واحد ، وطينتهم واحدة من ذلك النور العظيم ، قال تعالى (( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم )) ولهذا كان الأئمة (ع) يظهرون لخواص شيعتهم الكرام على حسب الحالات التي تحتملها عقولهم في كل مقام ، فهم مظاهر الحقيقة الأحدية ، والحجة على جميع البرية ، فلا بد من ظهورهم لكل واحد بما يناسب القابلية ، وليس هذا بغريب ، ولا منهم بعجيب .

 

 

فضائله ومناقبه

و هي كثيرة و قد تكلفت بها كتب الأخبار و التأريخ . قال اليافعي في مرآة الجنان : فيها )أي سنة 203) توفي الإمام الجليل المعظم سلالة السادة الأكارم أبو الحسن علي بن موسى الكاظم أحد الأئمة الاثني عشر ولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم و قصروا بناء مذهبهم عليهم )اه( و لا بد من ملاحظة ما مر في سيرة الصادق عليه‏السلام من اشتراك الكل في أنهم أكمل أهل زمانهم و نحن نذكر هنا طرفا من مناقبه و فضائله لتعسر استقصائها.

 )أحدها( : العلم مر عن إبراهيم بن العباس الصولي أنه قال: ما رأيت الرضا عليه‏السلام سئل عن شي‏ء إلا علمه و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته و عصره و أن المأمون كان يمتحنه بالسؤال عن كل شي‏ء فيجيب عنه و أن جوابه كله كان انتزاعات من القرآن المجيد .و في إعلام الورى عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا و لا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي و لقد جمع المأمون في مجلس له عددا من علماء الأديان و فقهاء الشريعة و المتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد إلا أقر له بالفضل و أقر على نفسه بالقصور و لقد سمعته يقول كنت أجلس في الروضة و العلماء بالمدينة متوافرون فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم و بعثوا إلي المسائل فأجبت عنها قال أبو الصلت و لقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر عن أبيه أن موسى بن جعفر كان يقول لبنيه هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فسلوه عن أديانكم و احفظوا ما يقول لكم.

و في مناقب ابن شهرآشوب عن كتاب الجلاء و الشفاء قال محمد بن عيسى اليقطيني : لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا عليه‏السلام جمعت من مسائله مما سئل عنه و أجاب فيه ثمانية عشر ألف مسألة.و روى الشيخ في كتاب الغيبة عن الحميري عن اليقطيني مثله إلا أنه قال خمسة عشر ألف مسألة، و في المناقب ذكر أبو جعفر القمي في عيون أخبار الرضا أن المأمون جمع علماء سائر الملل مثل الجاثليق و رأس الجالوت و رؤساء الصابئين منهم عمران الصابي و الهربذ الأكبر و أصحاب زردشت و نطاس الرومي و المتكلمين منهم سليمان المروزي ثم أحضر الرضا عليه‏السلام فسألوه فقطع الرضا واحدا بعد واحد و كان المأمون أعلم خلفاء بني العباس و هو مع ذلك كله انقاد له اضطرارا حتى جعله ولي عهده و زوج ابنته )اه( .

 )ثانيها( الحلم-و كفى في حلمه تشفعه إلى المأمون في الجلودي الذي كان ذهب إلى المدينة بأمر الرشيد ليسلب نساء آل أبي طالب و لا يدع على واحدة منهن إلا ثوبا واحدا و نقم بيعة الرضا عليه‏السلام فحبسه المأمون ثم دعا به من الحبس بعد ما قتل اثنين قبله فقال الرضا يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ فظن الجلودي أنه يعين عليه فأقسم على المأمون أن لا يقبل قوله فيه فقال و الله لا أقبل قوله فيك و أمر بضرب عنقه، و سيأتي ذلك مفصلا في خبر عزم المأمون على الخروج من مرو .

 )ثالثها( التواضع-مر في صفته عليه‏السلام عن إبراهيم بن العباس أنه كان إذا خلا و نصبت الموائد أجلس على مائدته مماليكه و مواليه حتى البواب و السائس.و عن ياسر الخادم : كان الرضا عليه‏السلام إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير و الكبير فيحدثهم و يأنس بهم و يؤنسهم، و روى الكليني في الكافي بسنده عن رجل من أهل بلخ قال: كنت مع الرضا عليه‏السلام في سفره إلى خراسان فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان و غيرهم فقال له بعض أصحابه جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة فقال عليه‏السلام : إن الرب تبارك و تعالى واحد و الأم واحدة و الأب واحد و الجزاء بالأعمال.

 )رابعها( مكارم الأخلاق-مر في صفته عليه‏السلام عن إبراهيم بن العباس أنه عليه‏السلام ما جفا أحدا بكلام قط و لا قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه و ما رد أحدا عن حاجة قدر عليها و لا مد رجليه و لا اتكأ بين يدي جليس له قط و لا شتم أحدا من مواليه و مماليكه و لا تفل قط و لا قهقه في ضحكه بل يتبسم.و روى الكليني في الكافي بسنده أنه نزل بأبي الحسن الرضا عليه‏السلام ضيف و كان جالسا عنده يحدثه في بعض الليل فتغير السراج فمد الرجل يده ليصلحه فزبره أبو الحسن عليه‏السلام ثم بادره بنفسه فأصلحه ثم قال إنا قوم لا نستخدم أضيافنا.و بسنده عن ياسر و نادر خادمي الرضا عليه‏السلام أنهم ]أنهما[ قالا: قال لنا أبو الحسن عليه‏السلام إن قمت على رءوسكم و أنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا و لربما دعا بعضنا فيقال هم يأكلون فيقول دعوهم حتى يفرغوا.

 )خامسها( الكرم و السخاء-سيأتي عند ذكر ولايته للعهد أنه وفد عليه من الشعراء إبراهيم بن العباس الصولي فوهب له عشرة آلاف من الدراهم التي ضربت باسمه، و أجاز أبا نواس بثلاثمائة دينار لم يكن عنده غيرها و ساق إليه البغلة، و أجاز دعبلا الخزاعي بستمائة دينار و اعتذر إليه.

و في المناقب عن يعقوب بن إسحاق النوبختي قال: مر رجل بأبي الحسن الرضا عليه‏السلام فقال له أعطني على قدر مروءتك قال لا يسعني ذلك فقال على قدر مروءتي قال أما هذا فنعم.ثم قال يا غلام أعطه مائتي دينار. قال و فرق عليه‏السلام بخراسان ماله كله في يوم عرفة فقال له الفضل بن سهل أن هذا لمغرم فقال بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتعت به أجرا و كرما.

و روى الكليني في الكافي بسنده عن اليسع بن حمزة : كنت في مجلس أبي الحسن الرضا عليه‏السلام و قد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال و الحرام إذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال السلام عليك يا ابن رسول الله‏رجل من محبيك و محبي آبائك و أجدادك مصدري من الحج و قد افتقدت نفقتي و ما معي ما أبلغ به مرحلة فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي و لله علي نعمة فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة فقال له اجلس رحمك الله و أقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا و بقي هو و سليمان الجعفري و خيثمة و أنا فقال أ تأذنون لي في الدخول فقال له سليمان قدم الله أمرك فقام فدخل الحجرة و بقي ساعة ثم خرج و رد الباب و أخرج يده من أعلى الباب و قال أين الخراساني فقال ها أنا ذا فقال خذ هذه المائتي دينار و استعن بها في مئونتك و نفقتك و تبرك بها و لا تتصدق بها عني و اخرج فلا أراك و لا تراني ثم خرج فقال سليمان جعلت فداك لقد أجزلت و رحمت فلما ذا سترت وجهك عنه فقال مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أ ما سمعت حديث رسول الله صلى‏الله‏عليه‏وآله المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة و المذيع بالسيئة مخذول و المستتر بها مغفور له أ ما سمعت قول الأول:

متى آته لأطلب حاجة  رجعت إلى أهلي و وجهي بمائه

 )سادسها( كثرة الصدقات-مر عن إبراهيم بن العباس أنه عليه‏السلام كان كثير المعروف و الصدقة في السر و أكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة.

 )سابعها( الهيبة في قلوب الناس-فسيأتي أنه لما خرج للصلاة في مرو و رآه القواد و العسكر رموا بنفوسهم عن دوابهم و نزعوا خفافهم و قطعوها بالسكاكين طلبا للسرعة لما روأه ]رأوه[ راجلا حافيا، و أنه لما هجم الجند على دار المأمون بسرخس بعد قتل الفضل بن سهل و جاءوا بنار ليحرقوا الباب و طلب منه المأمون أن يخرج إليهم فلما خرج و أشار إليهم أن يتفرقوا تفرقوا مسرعين

 

 

مصائبه وصبره عليه السلام 

لقد ابتلى هذا الإمام العظيم بمصائب جمة تجرعها (ع) بصبر وثبات ، ومن ذلك مصائب الواقفية .
كان الرضا (ع) حجة الله وخليفته في أرضه بعد أبيه الإمام موسى الكاظم (ع) بنصوص من أبائه (ع) . وقد صرح الإمام موسى الكاظم (ع) بإمامة ابنه الرضا (ع) تكراراً ومراراً ، دون بقية اولاده ، وأشهد على ذلك اصحابه في مواقع عديدة ، ومن ذلك ماروى أن أباه الكاظم (ع) قال للمفضل بن عمر انه صاحب الأمر من بعده ، ومن أطاعه فقد رشد ، ومن عصاه كفر .
وقد بين الإمام الكاظم (ع) أم امر الإمامة والخلافة هو بيد الله عز وجل كما النبوة كذلك ، وليس للناس أن يختاروا لأنفسهم نبياً ويجعلوه واسطة بينهم وبين خالقهم ليبلغهم أحكامه تعالى إليهم ، ولا ينبغي ولا يُقبل أن يكون الخالق تابعاً لأراء المخلوقين واهوائهم " ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السماوات والأرض " قال تعالى (( ولله الأمر من قبل ومن بعد ))

بل إن البشر تأبى ذلك فهل يرضى شخص كمدير أو رئيس أن ينصب شخص غيره نائباً له ، فإن ذلك يعتبر تدخلاً في شؤونه الشخصية ، فالمدير هو الذي يضع له نائباً وليس غيره ، وكذلك الرئيس فإذا كان هذا حال الناس ، فكيف بالله تعالى ، وهو منزه عن الأستشارة والأهواء والميول .

ولذا نرى في القرآن الكريم أنه تعالى قد نسب " جعل " الخلافة والإمامة أي تعيينها وتقريرهما إلى ذاته المقدسة في كل اية منها شيئاً فيقول عز من قائل :(( يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض )) سورة ص اية 26 ، ويقول في حق ادم (ع) (( إني جاعلٌ في الأرضِ خليفة )) سورة البقرة اية 30 ، وفي حق ابراهيم (ع) ((إني جاعلك للناس إماماً )) سورة البقرة اية 124وفي حق نبينا المصطفى محمد (ص) ((إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا )) سورة الفتح اية 8، فكذلك أمر الخلافة والإمامة ، وجعل الإمام بعد الإمام ليس ألا بيد الله تعالى حتى أن النبي والإمام لا يمكنهما جعل الخليفة إلا بأمر منه تعالى وبأذن منه وتعيين منه تعالى ، ولذا كان طلب نبي الله موسى (ع) من ربه تعالى ان يجعل له وزيراً . قال تعالى (( وجعل لي وزيراً من أهلي )) سورة طه اية 29 ، وقال تعالى في حق نبينا (ص) (( وما ينطق عن الهوى () إن هو إلا وحي يوحي )) سورة النجم ايه 3 و4 ، وقال تعالى (( ولو تقول علينا بعض الأقاويل )) سورة الحاقة اية 44 ومع ذلك بعد كل تلك التأكيدات التامة من الإمام الكاظم (ع) في ولده الرضا (ع) وأخد العهود والمواثيق الأكيده من أصحابه على الأقرار بإمامته دون بقية ذريته ن فقد انحرف من شيعة الكاظم (ع)عن ابنه الرضا (ع) وقالوا بوقف الإمامية على الكاظم (ع) وانه بعد وفاته وشهادته قد انقطعت الإمامة والخلافة وهم المعروفون "بالواقفية "

بل قيل أن سبب انحرافهم أن رؤسائهم كانت بأيديهم من الأوقاف والأموال المتعلقة بإمام زمانهم شيئ كثير . فطمعاً بأكل تلك الأموال أنكروا إمامة الرضا (ع) وقالوا بالوقف على الكاظم . ثم بعد ما علم أتباعهم بفساد نيات رؤساهم ، وتشرفوا بخدمة الإمام الرضا (ع) ورأوا منه المعاجز الكثيرة أذعنوا لإمامة الرضا (ع) ، وبقى شرذمة قليلة منهم على غيهم وظلالهم .

 

 

استشهاده عليه السلام 

سبق وأن اشرنا في أسباب اعطاء المأمون ولاية العهد للإمام الرضا (ع) أن منها تدبير خطة لتصفية الإمام جسدياً . دون ان يساور احدأ الشك بدوره (لع) فيها ودون أن يظن أحد أنه هو السبب في مقتله (ع) ذلك لأن المأمون يعرف مكانة الإمام الرضا (ع) والبيت العلوي في نفوس الناس . وأراد في الوقت نفسه أن يتم الأمر بعيداً عن مقر حكمه (( طوس )) لكثرة ما بها من شيعة الإمام واتباعه ، فاشخص الإمام (ع) مع رئيس قافلة ، وأمر رئيسها بعدم المرور على الكوفة وقم لكثرة ما بها من الشيعة ، وقرر المأمون على اغتيال الإمام (ع) أثناء إنتقاله من طوس إلى بغداد ، فلما وصل إلى قرية "سنباد" وهي قريبة من رستاق (( نوقان )) على مسيرة يوم من طوس وفيها قبر أبيه هارون توقف لتنفيد خطته .

واوعز لغلام له أسمه عبدالله بن بشير ان يسم الإمام بعنب وحبات رمان ، ثم يقدمها للإمام (ع) ليأكلها واوصاه أن يجعل السم تحت أظفاره ثم يحوله إلى كفه ، ثم يفرك بكفه حبات الرمان ويناولها الإمام (ع) بمرأ من حضار المجلس ، لكي لا يتهمه احد بانه هو قاتل الإمام (ع) كما أوصاه أيضاً بأن يغمس سلكاً بالسم ثم يدخله في حبات العنب من الطرف إلى الطرف بابرة ويقدم من ذلك العنب إلى الإمام أيضاً امام أمام أنظار الناس .
فلما اعدَّ عبدالله بن بشر ذلك وحدد المامون اليوم لا غتيال الإمام (ع) بعث للإمام (ع) وحضر للمجلس ، وقدم له العنب والرمان المسمومين ، فامتنع الإمام عن الأكل واستعفى المأمونَ من ذلك ، ولكن المامون أصرأصراراً شديداً وقال للإمام (ع) لا بد لك من الله ، فلعلك تتهمنا بشيئ . فتناول الإمام (ع) من العنقود ثلاث حبات ثم رمى به وقام فقال إلى أين يا بن العم فقال (ع) : إلى حيث وجهتني . وخرج (ع) مغطى الرأس ، حتى دخل داره وامر بسد أبوابها فاغلقت ، ولم يكن في الدار غير خادمة ابي الصلت الهروي فلم يلبث إلا يومين استشهد بعدهما (ع) في بلاد الغربة في تلك القرية وحيداً غريباَ مسموماً ، وكان استشهاده يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر صفر من سنة ثلاث ومئتين للهجرة النبوية الشريفة .

وكتم المامون (لع) موته (ع) يوماً وليله ، ثم انفذ إلى محمد بن جعفر الصادق (ع) عم الإمام ، فلما حضروه ا نعاه إليهم وبكى متظاهراً ، وأراهم أياه مبيناً انه صحيح الجسد ، وعلمت الشيعة بذلك فا جتمعوا لتشييع الإمام (ع) ففزع من وقوع الفتنة ، فخرج محمد بن الصادق (ع) بامر من المامون ، وفرق الناس ، قائلاً لهم ان امر الجنازة قد اخر إلى الغد .

فلما تفرق الناس ، اخرج المامون الجنازة الطاهرة ، ثم ان الإمام (ع) غسل وكفن وصلى عليه من يعلم الله - وهو الإمام الجواد (ع) في جوف الليل ثم أمر المأمون بدفن الإمام (ع) بجوار قبر أبيه ، بحيث يكون قبر أبيه امام قبر الإمام (ع) فلم تؤثر المعاول ولم تحفر شيئاً ، فتعجب المأمون في ذلك واستدعى احد مقربي الإمام (ع) وكان يدعى هرثمة الذي كان الإمام (ع) يسر له بكثير من المغيبات ، فاقترح هرثمه ان يجعل قبر الإمام أمام قبر هارون ففعلوا ذلك وإلى ذلك يشير دعبل الخزاعي الشاعر الشيعي الطائر الصيت